الشيخ علي الفتلاوي
2009
لقد ورد في الحديث الشريف المعروف بحديث المعراج: يا أحمد، لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا علي لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما( ). فالحديث عن المعاني السامية والمضامين العميقة في هذا الخبر الشريف إنّما يحتاج إلى مقدّمات حتّى يتبيّن من خلالها معنى هذا الكلام الأقدس، ويتبيّن أيضا مدى تطابقه مع الدليل العقلي فضلاً عن الدليل النقلي. ومثل هذا الحديث قد يثير التساؤلات الكثيرة في نفوس الذين لا يستطيعون هضم هذه المعاني. فلذلك نصح بعض الأعلام أن لا تطرح مثل هذه العناوين، ولكنّي ذكرت له من الحجج التي تدفعني إلى التعريف بمقامات أهل البيت عليهم السلام ولابدّ من معرفتهم بمعرفة جمالية، وفي هذا يتمّ لنا بيان ما لدينا من عقائد حقّة مبنيّة على الأدلّة العقلية والنقلية، ولا يهمّنا الردود السلبية التي تصدر من البعض فإنّها لا تشكّل مانعاً شرعيّاً( )، فهي غاية ما تكون اتّهامات لا معنى لها ولا تستحقّ الردّ. وعلى كل حال لا أريد أن أشغلكم بهذا، فإنه من المسلّم أن من يزداد معرفة يزداد كمالاً وخضوعاً وأدباً، فلو دخل علينا رجل كبير السنّ فإنّنا نحترمه ونوقّره من باب وقّروا كباركم، وإذا عرفنا أنّ هذا الرجل الكهل هو أحد مراجع التقليد فإنه بلا شكّ يزداد احترامنا وتوقيرنا له ومحبّتنا فيه وإطاعتنا إيّاه، ومن هذا المنطلق من عرف النبي والأئمة الأطهار عليهم السلام بمعرفة جمالية، فإنه يزداد مودة وتعظيما وإطاعة، فيفوز بسعادة الدارين. فاليوم نتكلم عن سيدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام، وهذا من وحي المناسبة( )، ولأنّ محبّيها يعيشون أحزان ذكرى شهادتها فنقول: ثبت في محلّه أنّ الله سبحانه حكيم وعليم وقادر وجواد وحيّ، وله الأسماء الحسنى والصفات العليا، وإنّه الكمال المطلق، فلكلّ هذا خلق خلقاً، وخلق أرضاً وسماءً وما فيهما وما بينهما عن حكمة وعلم، فلم يكن خلقه لهذا الكون الكبير عبثاً. فإذن لابدّ أن نعرف سرّ هذه الخلقة، ونوجز هذا القول بكلماتٍ قصيرة فنقول: إنّه تعالى خلق الكون لنا وخلقنا لأجله، فنراه سبحانه قد سخّر لنا ما في السماوات وما في الأرض، لكي نصل إلى كمالنا الذي هو عبادة الله تعالى، فلذلك قال في آية من آيات الكتاب العزيز: ((وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ))( ). ثم بيّن سرّ خلقة الإنسان بقوله عزّ وجل: ((
Read this work at the World Public Library (library card needed).