السيد نبيل الحسني
لكي نضع أيدينا على تطور الوعي التاريخي عند العرب فلابد أن ندرك دور القرآن وعترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تدريس هذا العلم وتطويره. بل: إنهم أصحاب الفضل الأول بعد القرآن في خلق هذا الوعي التاريخي وتطويره وتثقيفه بين أهله ــ كسليم بن قيس ومحمد بن إسحاق المطلبي ــ حتى جعلته يحتل الصدارة في هذا العلم. ولذا كان لزاما أن نعرّج على مدرسة الإمامة، ونهبط عند أعتاب باب مدينة علم النبوة، وأن نجلس بين أروقة مدرسة أمير المؤمنين عليه السلام لنفهم كيف هو التاريخ عنده، حركة وسنة؟. المبحث الأول: حركة التاريخ عند الإمام علي عليه السلام يتخذ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام من حركة التاريخ وسيلة لتقويم السلوك الإنساني وأداة لإصلاح المجتمعات؛ هذا الإصلاح الذي لا يتم إلا من خلال إصلاح أفراد المجتمع أو الأمة كما يعبر عنها القرآن الكريم. وتمتاز علاقة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بحركة التاريخ عن غيره ممن يهتمون بالتاريخ بأنه عليه السلام يتعايش مع هذه الحركة وكأنه عنصرٌ من عناصر هذه الحركة، وواحد من مكوناتها، فما أن مرّ على أمة من الأمم تحدث عنها وكأنه أحد أفرادها المبصرين بأحوال أمته. ولذا لم يكن ــ حينما يتحدث عن هذه الأمة أو تلك ــ بالرجل القاص، أو الراوي المتسلي؛ وإنما هو الرجل المعايش لهذه الأمة والعارف بعوامل نهوضها، أو اندثارها، المتبحر في أخلاقها وسلوكها. ومن هنا: نجده يحثّ على التعامل مع التاريخ تعامل المرشد، والمصلح، والمقوّم لحركة الإنسان الدنيوية والأخروية؛ مما جعل بعض الباحثين ينظرون إلى هذه العلاقة بأنها (علاقة وعظية)( )، أي أن الغالب في حديثه عليه السلام عن التاريخ هو الوعظ. في حين أنه عليه السلام لم يكن ليخالف المنهج القرآني والنبوي ــ الذي عرضناه ــ في بيان حركة التاريخ وسننه، وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته بشكل واضح في خطبه وحديثه عن حركة التاريخ وسننه.
Read this work at the World Public Library (library card needed).