السيد محمد علي الحلو
2015
تبقى الكتابات التاريخية محبوسة الأنفاس بين ما احتكره أهل الصنعة من التزوير، وبين ما استحسنه الحكّام من كتابته، بما ينسجم وتطلعاتهم في إلغاء مسلّمات الواقع، أو فرض تخيّلات القصّاصين على كاهل تاريخ يمتد بعطاءاته منذ بزوغ فجر الرسالة إلى ما شاء الله له أن يقوم. وإذا أردنا أن نحسن الظن بما سطّره هؤلاء وأولئك من مرويّاتهم، فلا ينبغي أن نتعامل معها بحسن ظنٍّ يفقدنا مصداقيتنا في الرغبة إلى معرفة الحقّ ومجرياته، وشؤون الواقع وتطلّعاته. وهكذا تبقى المرويّات التاريخية مكتّمة، لا يحقّ لها أن (تتفوّه) عمّا أضافته يدُ الوضع عليها، أو تلك النابعة من تخيّلات القصّاصين مجاراةً لوضعٍ سياسيٍّ قائمٍ، أو مداراةً لنزعات تكتّل معيّن، أو تنفيذاً لرغبة نفسية جامحة في الانتفاض من هذا، وسلب محاسنه لتزويق صورة ذاك، أو رمي هذا بداء ذاك دون وازع من دين، أو تحرّج من عرف، أو حتى لو تعارض مع مبتنيات علمية، أو أسس منطقية، بل ومبادئ أخلاقية، استجابة لمصالح شخصية عارمة، أو طموحات سياسية هائجة، تسحق معها كلّ مبدأ، وتقتل من خلالها كلّ فضيلة، وتُوأدُ بسببها كلّ مكرمة. وليس في منطق هؤلاء غير استدرار رضا أسيادهم، وإشباع حاجات أوليائهم من (نَهَمِ) الوضع والتزوير، ونزعة الكذب والتضليل. وهكذا يبقى الصراع قائماً بين توجّهات هؤلاء، وأسس المنطق العلمي الذي من خلاله يُقرأ الواقع التاريخي دون تزلّف لعُصبة، أو مراءٍ في حقيقة أو تجنٍّ على واقع. والذي بين أيدينا أنموذج ممّا جنته الأهواء في كتابة التاريخ، وما فرضته المصالح من تزوير، وما أفرزته صراعات التكتّلات السياسية من تضليل، فخال لهم ما وضعوه (مسلّمة) أجروها على ألسن السذّج من الناس، وأوهموا بها الحمقى من القصّاصين؛ ليستظرفوا بها كتبهم، ويستلحوا بها قرّاءهم. وكان نصيب هؤلاء من تخيّلاتهم في مرويّاتهم، وطعونهم على أهل البيت عليهم السلام، أن صوّروا السيّدة آمنة بنت الحسين عليهما السلام، الملقّبة بسكينة، أنّها من أهل الظرافة والبطر. فهي تتعاطى الغناء، ــ معاذ الله ــ كما هي تتعاطى التحكيم بين الشعراء والمغنّين، وتترامى في أحضان أزواجها الأمويين والزبيريين دون وازع من دين أو مانع من عرف، وكأنّها (موقوفة) لبني مروان وآل الزبير، فبين مفارق لها، وبين كاره، وبين خاطبٍ وبين مطلّق، وكأن لم يكن من بني هاشم كفءٌ يتولّى أمرها، أو وليّ يحسن منعها عمّا ترتكبه ممّا يخالف الدين وي
Read this work at the World Public Library (library card needed).